الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

289

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

خصوصا إذا كبر ، فيقول : قد ضعفت وكبرت فأبق على نفسك لئلا ينقطع عملك بالكلية ، وهذا وإن كان ظاهره جميلا لكن فيه دسائس ، فإنه إن أطاعه فقد يكون استدراجا يؤول به إلى ترك العمل شيئا فشيئا ، إلى أن ينقطع بالكلية ، وما ترك سيد المرسلين ، المغفور له ، شيئا من عمله بعد كبره . نعم كان يصلى بعض ورده جالسا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت قدماه ، فكيف بمن أثقلت ظهره الذنوب والأوزار ، ولا يأمن عذاب النار ، أن يغافل حال شيبته ، ويتوانى عند ظهور شيبه فينبغي للإنسان أن يستعد قبل حلول مشيبه . « اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك » « 1 » فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره ، وقد قال تعالى منذرا لمن يدخل في الصباح : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ « 2 » فكيف بقرب من دخل في الصباح ، وظهر كوكب نهاره في أفق رأسه ولاح ؟ ! قال القرطبي : ظن من سأله - صلى اللّه عليه وسلم - عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد اللّه خوفا من الذنوب ، وطلبا للمغفرة والرحمة ، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك ، فأفادهم أن هناك طريقا آخر للعبادة ، وهو الشكر على المغفرة ، وإيصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا ، فيتعين كثرة الشكر على ذلك ، والشكر : الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة ، فمن كثر ذلك سمى شكورا ، ومن ثم قال اللّه تعالى : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ « 3 » . وفيه : ما كان النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه عز وجل ، قال العلماء : إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة اللّه عليهم ، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها ، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره ، مع أن حقوق اللّه أعظم من أن يقوم بها العباد ، واللّه أعلم ، انتهى .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه الحاكم في المستدرك ، والبيهقي في « شعب الإيمان » عن ابن عباس ، وأحمد في الزهد ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في « شعب الإيمان » عن عمرو بن ميمون مرسلا ، كما في « صحيح الجامع » ( 1077 ) . ( 2 ) سورة هود : 81 . ( 3 ) سورة سبأ : 13 .